نراقب الحدث سوياً

مكافحة الجوع والفقر استثمار في مستقبل العراق

Oct 09, 2013

د. حسن الجنابي*

يتفشى الجوع في العالم بشكل لا يتناسب مع مستوى التمدن والتقدم الذي أنجزته البشرية. فعدد الجوعى في العالم يقدر بحوالي (900) مليون إنسان أي ما نسبته 14% من سكان الأرض. وبالرغم من أن البشرية تنتج أكثر من حاجتها من الغذاء بكثير، غير أن سوء التوزيع وارتفاع الأسعار والمضاربات والاستحواذ على الموارد والحروب والكوارث الطبيعية وغيرها، تجعل هذا العدد الهائل من البشر يقضون أيامهم ببطون خاوية.                                                     
من جانب آخر، وهو أمر مقلق حقا، أن السمنة المفرطة في الكثير من بلدان العالم المتقدم تشكل ظاهرة اجتماعية خطيرة تعاني منها المجتمعات الغربية ومؤسساتها الصحية، حيث يتناول المواطن ما معدله ستة وجبات في اليوم، ويتلف في هذه الدول حوالي (40%) من الغذاء يوميا كضائعات، في الوقت الذي تنعدم لدى مئات الملايين من البشر في عشرات البلدان النامية إمكانية الحصول على وجبة مغذية واحدة في اليوم.
                                                             
 مكافحة الجوع في العراق:
                                                             
العراق حالة خاصة بقدر تعلق الأمر بالجوع والفقر. ففي الكثير من بلدان العالم النامي لعبت وتلعب الكوارث الطبيعة دورا رئيسيا في تفشي ظاهرة الجوع، أما في العراق فكانت بسبب كوارث صنعتها قرارات شخصية ونفذتها جيوش بأحدث منجزات التكنولوجية، تحطمت أثرها وسائل المعيشة الكريمة فضلا عن فقدان فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعدة عقود.
فمن المؤكد انه لا توجد في العراق مجاعة (
famine)، وهي النقص الحاد في تجهيزات الغذاء على نطاق واسع، وحيث يتعذر على أعداد كبيرة من السكان الحصول على ما يكفيهم من الغذاء. وأظن أن اللجوء إلى برنامج البطاقة التموينية في التسعينيات منع حصول تلك الكارثة الإنسانية.                                                  
من جانب آخر يوجد في العراق جوع (
hunger) أو سوء تغذية (malnutrition) بمعنى أن فئات كبيرة من السكان، من ضحايا الحروب المتتالية، والعاطلين عن العمل والمهمشين والمعوقين والأرامل والأيتام وعوائل الشهداء ومزارعي الأراضي الهامشية وغيرهم ممن لا يحصلون على ثلاث وجبات يوميا ، وفي غالب الأحيان تكون وجبات غير مغذية تفتقد للبروتينات والفيتامينات الكافية.                                                                 
 مما يبعث على القلق إن تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) عن حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم لعام 2010، قد أورد اسم العراق ضمن قائمة الدول ذات الأزمات الغذائية الممتدة أو ما يسمى بالانجليزية (
Countries in Protracted Crisis) وهي قائمة تضم (22) دولة فقيرة تقع اغلبها في أفريقيا بالإضافة إلى أفغانستان وهايتي وكوريا الشمالية.
 صنفت تلك البلدان ضمن القائمة لان نسبة كبيرة من سكانها عرضة لانقطاع سبل المعيشة لفترات طويلة من الزمن فأصبحت هشة للغاية اقتصاديا، وضعيفة أمام الأمراض والأوبئة، وحيث تتميز الدولة بضعف قدراتها في معالجة التهديدات التي يتعرض لها السكان أو في التخفيف من مخاطرها، وتنعدم لديها آليات الحوكمة في السوق الغذائي بما يؤمن حصول السكان على قوت يومهم.
                                                                     
لا نعلم إن كان العراق يصنف اليوم بنفس الطريقة أم انه قد غادر القائمة وانطلق إلى آفاق تحقيق الأمن الغذائي. كما إن التقارير الحديثة لمؤشرات الجوع في العالم (
Global Hunger Index) تترك الحقول المختصة بالعراق فارغة بسبب عدم ورود معلومات جديدة عن الأمر، أما المؤشرات التي يتيحها الجهاز المركزي للإحصاء فإنها تشي بأن العراق قد حقق الهدف الأول من أهداف الألفية الثالثة وهو المعني بتقليل نسبة الفقر بمقدار (50%) عما كان عليه الحال في عام 1990، وهذا صحيح بالمعنى الإحصائي، ولكن القضية شائكة باعتقادي.                                                       
إن تحسن مداخيل البلاد والنهوض من خراب الحرب والحصار الاقتصادي، وانفتاح السوق وتحسن مقتنيات ومشتريات فئات كبيرة من السكان وارتفاع أسعار السلع والبضائع وغير ذلك، تجعل خط الفقر الذي يعتمده البنك الدولي والجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط لتصنيف الفقراء في العراق قضية مغرية للمراجعة. على سبيل المثال إن الحصول على دولارين باليوم قد ترفع مواطنا أفريقيا إلى ما فوق خط الفقر ولكني أجد صعوبة في تطبيق ذلك على الوضع العراقي.
إضافة إلى ما سبق، فان الإحصائيات الأخيرة والانخفاض الطفيف في معدل الفقر في العراق إلى (18.9%) لا تبدو مشجعة للاعتقاد بأننا على منصة الانطلاق في آفاق التخلص من كماشة الفقر، على الرغم من أن النسخة الأصلية لإستراتيجية التخفيف من الفقر ذكرت أن هدفها هو تخفيف نسبة الفقر إلى (16%) بحلول 2014 أي أن هناك متسع من الوقت لتحقيق هذه النسبة. المشكلة الأخرى أن الزيادة السكانية السنوية ما تزال مرتفعة بالعراق وبالتالي فقد يبقى عدد الجياع أو الفقراء ثابتا حتى لو انخفضت النسبة قليلا بسبب تلك الزيادة السكانية، ولذلك مازال حوالي سبعة ملايين مواطن يعانون من الجوع وسوء التغذية.
                                                                                                   
من الجدير تأكيده هو أن تأثيرات الجوع والفقر في البلدان ذات الأزمات الممتدة تختلف عنها في البلدان التي تعاني من حالات الفقر والجوع بصورة مؤقتة نتيجة لحالات كوارث طبيعية أو من صنع الإنسان (كالحروب مثلا). ففي بلدان الأزمات الممتدة يرث الأطفال الفقر من آباءهم وأجدادهم ويقعون ضحايا لدورة مستمرة من الفقر تصبح كالدائرة المغلقة التي لا يمكن الخروج منها إلا ببرامج مركزة تستهدف كسر حلقة الفقر لدى تلك الفئات السكانية.
                                          
فالتعرض للجوع وسوء التغذية في مراحل الطفولة ولفترات طويلة يؤدي إلى تشوهات في النمو الجسدي والعقلي والعاطفي مثل التقزم والهشاشة والضعف، ويبعد فئات كبيرة من السكان عن الإنتاج عند الكبر، بل وتضعهم ضمن الفئات التي تستحق رعاية إضافية، أي أن الخسارة مضاعفة.
                                                                      
لذلك فان مكافحة الجوع والفقر والقضاء عليهما، بالإضافة إلى انه عمل إنساني عظيم وواجب وطني، فهو استثمار ذكي في مستقبل العراق، وإذا ما حقق العراق الهدف الأول من أهداف الألفية فان هذا حافز آخر له للانخراط في صياغة الأهداف الجديدة للألفية أي لفترة ما بعد عام 2015.

"صوت الحكمة"

==============
*سفير العراق الدائم لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في روما.